العين بعد فراقها الوطن
تُربط الأمتعة ... تمتزج الدموع بالكلمات ... تحمل الوثائق ... وحنين الذكريات ..للأحبة ..للأماكن ...وللوجوه المألوفة ...وتحول عقارب الساعة لليمين أو اليسار .. ومن هنا تبدأ الصدمة.
يبدأ الخط الفاصل بين ماكان وماهو كائن بالتشكل ...تهبط الطائرة ... تُنتظر الأمتعة ... تتغير الوجوه ... وتمتزج اللغات ... ومن هنا تحدث الصدمة..
تشكل الصدمة الثقافية هاجساً ..بل واقعاً وحقيقةً ومهما اختلف في تفسيرها الاجتماعيون... فانها تظل حالة نفسية تعتري المغترب حيناً من الدهر ..قد تطول وقد تقصر .. وهي حالة تمتزج فيها عوامل متعددة..اجتماعية ودينية وثقافية وحتى عرقية .. للوصول الى حالة من الهدوء والرضا ...تدفع الانسان للعمل والاندماج والانتاجية ...
وتمر الصدمة الثقافية بمراحل ... وعقبات وانجازات ..ولكن يشبه الاجتماعيون الصدمة الثقافية بحرف اليو في الانجليزية ... حيث تبدأ بالاعجاب الشديد بالمجتمع والثقافة الجديدة .. لدرجة الانبهار بها والرغبة في البقاء والاستمرار ...ثم يبدأ الانحدار التدريجي والنزول للقاع ومقت كل شئ محيط ..والرغبة في العودة ..لما كان ..للوجوه المألوفة ..الاماكن المعتادة ..للاطعمة ... لكل شئ...وهنا يكون مفترق الطرق والقرار الصعب .. بين البقاء أو الرحيل...
وما يهمنا هم الطلاب السعوديون - وأنا واحد منهم- ...فهم ليسوا بمعزل عن الآخرين ... فيعتريهم مايعتري الاخربن ... ويمر بهم مايمر بغيرهم ... وتشكل الغربة والانفتاح عقبة أو منعطفا....غولاً قد يبتلعهم ومستقبلهم ...أو مسخا لدينهم وثقافتهم... أوممرا يمروا منه بسلام .. ونجاح ووئام ..
وفي التحقيق التالي .. يروي بعض الطلاب السعوديون - ذكورا واناثا – لتجاربهم في الغربة ... تجاربُ هي أقرب الى الانطباعات...
يصف أحمد.ع (توليدوا/اوهايوا) صدمته الثقافية بكونها ثقافية حضارية محضه. فقبل وصوله كان يظن أن أمريكا بتقدمها الحضاري والتقني تعرف ثقافات الشعوب الاخرى وحقائقها. ولكنه اندهش من السؤال الموجه اليه من قبل صديقه الأمريكي الجديد:
Did you come to school by your camel؟
صدمة أحمد تعمقت مع الوقت مع تكرار السؤال ذاته أو أسئلة مشابهة على مسمعيه. ولضعف لغته وحاجته لبعض الوقت للاجابه والشرح والتفصيل ، قرر الصمت على مضض واللجوء الى الابتسامه الكاذبه.
وبروي خالد (اوكلاهوما ) قصته المشابهة حين سؤل مررا عن عدد آبار النفط التي يملكها حين ارتفع سعره. كان خالد يُستثنى دائما من المشكلة كونه من دولة عرفت بوفرة انتاجها من النفط وامدادها للدول الصناعية. فكثير ماتردد على مسمعيه:
You guys do not have this problem. You’ve got lots of oil.
تعجب خالد من اختزاله واختزال ثقافته بالنفط ومن الاسئلة الساذجة الموجهة اليه من هنا وهناك.
وتروي عزيزة (دلاس/ تاكساس) قصتها مع صدمتها الثقافية فقد خرجت من بيئه دينية محافظة. فقد تربت في كنف والديها على الطهر والاحتشام.... أحبت أمريكا وأهلها ولكن أكثر ماضايقها هي النظرات الغريبة الموجهة اليها لحجابها. كانت النظرات تحمل ألف سؤال وألف كلمة استفهام. وشعرت أنها وضعت أمام خيار صعب : اما الالتزام بما تربت عليه أو التخلي.
صعبة تلك الصدمات والمواقف، ولكنها تعكس واقعاً... واقع المغتربين... ولكنه واقع مختار في الأغلب... وعجبا لخير الدين الزركلي لوصفه تلك الحالة الصعبه وصفا جميلاً:
إن الغريب معذب أبداً ..... إن حل لم ينعم وان ظعنا
مع تمنياتي لكم بالسعادة والنعيم أينما كنتم،،
د/ وليد بن إبراهيم العبيكي
فيتفل/ أركنسا